الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
159
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الله . والأصل أن معنى " الرجز " يطلق على الاضطراب والتزلزل ( 1 ) ثم اطلق على كل أنواع الشرك ، عبادة الأصنام ، والوساوس الشيطانية والأخلاق الذميمة والعذاب الإلهي التي تسبب اضطراب الإنسان ، فسره البعض بالعذاب ( 2 ) ، وقد اطلق على الشرك والمعصية والأخلاق السيئة وحب الدنيا تجلبه من العذاب . وما تجدر الإشارة إليه أن القرآن الكريم غالبا ما استعمل لفظ " الرجز " بمعنى العذاب ( 3 ) ، ويعتقد البعض أن كلمتي الرجز والرجس مرادفان ( 4 ) . وهذه المعاني الثلاثة ، وإن كانت متفاوتة ، ولكنها مرتبطة بعضها بالآخر ، وبالتالي فإن للآية مفهوما جامعا ، وهو الانحراف والعمل السئ ، وتشمل الأعمال التي لا ترضي الله عز وجل ، والباعثة على سخر الله في الدنيا والآخرة ، ومن المؤكد أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد هجر واتقى ذلك حتى قبل البعثة ، وتاريخه الذي يعترف به العدو والصديق شاهد على ذلك ، وقد جاء هذا الأمر هنا ليكون العنوان الأساس في مسير الدعوة إلى الله ، وليكون للناس أسوة حسنة . ويقول تعالى في الأمر الرابع : ولا تمنن تستكثر . هنا التعلق محذوف أيضا ، ويدل على سعة المفهوم كليته ، ويشمل المنة على الله والخلائق ، أي فلا تمنن على الله بسعيك واجتهادك ، لأن الله تعالى هو الذي من عليك بهذا المقام المنيع . ولا تستكثر عبادتك وطاعتك وأعمالك الصالحة ، بل عليك أن تعتبر نفسك مقصرا وقاصرا ، واستعظم ما وفقت إليه من العبادة .
--> 1 - مفردات الراغب . 2 - الميزان ، في ظلال القرآن . 3 - راجع الآيات ، 134 - 135 من سورة الأعراف ، والآية 5 من سورة سبأ ، والآية 11 من سورة الجاثية ، والآية 59 من سورة البقرة ، والآية 162 من سورة الأعراف ، والآية 34 من سورة العنكبوت . 4 - وذكر ذلك في تفسير الفخر الرازي بصورة احتمال ، ج 30 ، ص 193 .